أخر تحديث : الجمعة 11 سبتمبر 2015 - 11:43 مساءً

جديد : «السيسى» من محاربة الفاسدين إلى محاربة الفساد

حاليا على اخبار مصر [ad_1]

الدولة المصرية ناجحة فى إفساد مواطنيها.

الدولة المصرية تمتلك القدرة على إفساد مواطنيها ثم تعاقبهم بتهمة الفساد.

هذه كانت النتيجة المختصرة، أما التفاصيل فهى على ما يلى: لقد جعلت الدولة من المصرى «حرامى رغم أنفه، كاذب رغم أنفه، فوضوى رغم أنفه». فهى عاملته بعدم ثقة، فبادلها شكاً بشك. تاريخياً تطلب الدول من المواطن شهادة من اثنين موظفين بأنه حسن السير والسلوك، ولأنها شهادة بلا معنى ولا تحمل قيمة الحبر المكتوبة بها، فيزور المواطن الشهادة أو يدفع رشوة لتجنّبها، والتى هى خير دليل على أنه لم يعد حسن السير والسلوك. إنها خلقت له مناخاً من الشك يعيش فيه من خلال تعقيدات أمنية وبيروقراطية وضعته موضع المتهم الذى عليه أن يثبت براءته، ولم تمكنه من أدوات البراءة، فتحول إلى مجرم فى نظر بيروقراطية الدولة. ورغماً عن أن بيروقراطية الدولة تتكون أساساً من مواطنى الدولة، فإنها نزعت منهم الشعور بالتعاطف مع المواطن، خوفاً من عواقب الخروج على قواعد الدولة. فأفسدت الدولة مواطنيها، وجعلتهم من المستحيل عملياً أن يعيشوا فيها دون أن يكونوا خارجين على قوانينها. وتقوم نظريات الإدارة فى هذا المقام بحساب التكلفة، أى تكلفة عدم الثقة فى المواطن. وهى تكلفة مرتفعة من إهدار الطاقات والوقت والأموال فى الاستجابة إلى تعقيدات بيروقراطية متخلفة تجعل المواطن ينظر إلى الدولة على أنها كيان غبى لا يحكمه منطق إلا منطق الجباية والشك فى المواطنين، دون أن تعبأ باستطلاع رأيه للتعرّف على مدى نجاحها فى خدمته وتسهيل حياته. وهى لا تريد أن تعرف، لأنها لو سألته فستتبين حجم الجرم الذى فعلته فيه.

فمثلاً المدرس الذى يأخذ مبلغاً زهيداً من المال فى الشهر يستحيل عليه أن يعيش به، فيضطر إلى الدروس الخصوصية، مخالفاً بذلك القانون، وفى الوقت نفسه تصر الدولة على الادعاء بمجانية مكذوبة، لو صارحت فيها نفسها لأمكن أن تعيد توجيه مواردها على نحو يضمن تعليماً حقيقياً داخل مدارسها وحياة كريمة لمدرسيها على نحو يجعل منهم نماذج لحسن الخلق، لكن المدرس مطالب بأن يكذب وأن يتحرى الكذب حتى لا يقع تحت طائلة القانون، فيعطى دروساً خصوصية وينفى ويطلب من طلابه أن ينفوا عنه هذه التهمة، وكأنه يطلب منهم أن يكونوا كاذبين. وكأنها مافيا أو عصابة، أطرافها ثلاثية: دولة حمقاء ترفع شعارات هى غير قادرة على تحقيقها مثل مجانية التعليم، وتكون النتيجة أنه لا تعليم مجانياً، ثم موظف برتبة مدرس لا يمكن أن يكون أميناً على هذه المهمة التى لا يكون مؤهلاً لها مالياً، ثم الطالب الذى عليه أن يذهب إلى المدرسة فقط لتسجيل موقف أنه طالب، أما التدريس الحقيقى فهو المنزل، وكأن الدولة تعلم الطفل الصغير فى المدرسة أنها دولة «أفاقة» تخدع نفسها ومواطنيها وتدربهم على الخديعة والنفاق.

والأمر ليس قاصراً على مجال التعليم، بل فى كل تعاملات المصرى مع المؤسسات البيروقراطية، حيث يطلب من المواطن حين يقدم على استخراج رخصة القيادة أن يفعل أشياءً ويأتى بأوراق لا يمكن له أن يأتى بها إلا بتكلفة عالية جداً للمجتمع من الناحية الواقعية. فبحسن نية شديد، اعتقدت الدولة أن على قائد السيارة أن يأتى بشهادتين من طبيبين تثبتان أنه قوى البنية لا يعانى من مشاكل فى جهازه الحركى، سليم النظر لا يعانى من مشاكل فى الرؤية. وهما من وجهة نظر مثالية مطلبان عادلان. لكن فى مجتمع شديد الفقر والتخلف كمجتمعنا تحولت هذه الطلبات إلى أدوات إفساد، وما أعتقد أنهما منعتا أى مواطن، مهما كانت بنيته الحركية أو قدرته على الرؤية، من قيادة سيارة فى شوارع مصر. فخلف كل وحدة مرور، وربما داخلها، يوجد تمرجى عاطل عن العمل، سيأتى لك بالشهادتين المضروبتين دون الحاجة إلى طبيب. لكن المشكلة أن موظفى البيروقراطية المصرية على علم بهذا ويقبلونه، بل يشاركون فيه ويوجهون المواطن إلى مكان «التمرجى»، وكأنها مافيا أو عصابة أطرافها ثلاثية: دولة حمقاء تفرض قواعد وقيوداً غير منطقية، وموظف ضعيف الراتب يملك ختم النسر، وهو ختم الدولة الذى منحته إياه دون أن تعطيه ما يكفى من الراتب كى يكون أميناً عليه، ومواطن تستبد به الحيرة، لأنه مطالب بأن يأتى بشهادة مخالفات وشهادة أمن ومتانة وشهادة تأمين واستمارات تقديم، والحصول على نمرة السيارة، ثم الدفع، ثم التمغات، التى هى عادة متعددة ومن أماكن مختلفة. وما منع كل هذا أى حادث أو علم قائد سيارة أياً من قواعد المرور، وكأنها مسرحية هزلية تمثل فيها الدولة أنها تضع القواعد والضوابط، ويمثل فيها الموظف أنه ملتزم بها، ويمثل فيها المواطن أنه منصاع إليها.

وفى كل واحدة من هذه الخطوات يجد المواطن نفسه إما انتهازياً أو أفاقاً يلاعب القانون ويتلاعب به بالاستعانة بالقابضين عليه فيتحول إلى نصاب رغم أنفه أو رضاء نفسه.

والأمر ليس ببعيد عن كل من يريد أن يسافر خارج الوطن ويريد أن يحتفظ بمهنته فى مصر، فأصبح شائعاً الحديث عن إجازة مرافقة الزوج أو الزوجة. وهى مجموعة من الإجراءات البيروقراطية التى ترتبط فى النهاية بعقد مزور يقدمه الموظف إلى الجهة التى يعمل بها لأنه لا يستطيع أن يعيش فقيراً فى مجتمع لا يحيا فيه بكرامة إلا الأغنياء، فيضطر إلى السفر. لكنه لن يسافر مرفوع الرأس محافظاً على نزاهته وحسن خلقه، بل لا بد أن يبادل البيروقراطية المصرية سوء خلقها بسوء خلق، فيزوّر ويكذب وينتحل كى تدعه يذهب. ويروى لى العالم الجليل الدكتور مرسى قصة غريبة، لولا ثقتى بعلمه ما صدقتها. وهى أن الحكومة الماليزية فى مطلع حكم رئيس الوزراء مهاتير محمد أرسلت إلى الطلبة الماليزيين الذين كانوا يدرسون فى الولايات المتحدة بألا يرجعوا مؤقتاً، ومن يجد منهم وظيفة فى الولايات المتحدة، فليعمل وليتعلم وليبنى نفسه ولا يزور فى أى ورق أو ينتحل أى صفة غير حقيقية، فقط يبلغ القنصلية أو السفارة بمكانه وتخصصه، حتى تعرف الأم مكان أبنائها كى تستعين بهم وقت حاجتها إليهم. وقد فعلوا، ونهضت ماليزيا. ولم يزل المصريون يفرون من قنصليات وسفارات بلدهم فرارهم من الأسد، لأنها علمتهم الجحود وسوء الخلق وقلة الأدب فى علاقتهم بها. فما وثقوا فيها ولا فى القائمين عليها ولا فى رغبتهم فى العودة للحياة فيها.

أضف إلى ما سبق عشرات، بل مئات الحالات لمستثمرين يريدون أن يقننوا ملكيتهم لأراضٍ حصلوا عليها واستصلحوها أو أقاموا عليها مشاريعهم مقابل المبلغ المالى المنطقى الذى يدعم خزينة الدولة ويضمن لهم استمرار مشاريعهم، لكن يظل المستثمر بين موظف وآخر ومسئول وآخر ويدفع لهم رشاوى وإكراميات ربما أكثر من المبلغ المستحق للدولة. عشرات الشعارات ترفع عن تشجيع الاستثمار والمستثمرين كباراً وصغاراً، لكن ساعة الجد، لا تجد إلا عراقيل وموافقات وإكراميات لا علاقة لها بما ترفعه الدولة من شعارات.

ولا تزال الدولة تكذب وتكذب وتتحرى الكذب حتى تكتب عند المواطن المصرى كذابة، فيبادلها كذباً بكذب.

الرئيس السيسى أمام تحدٍّ مهول، وعلى محبى هذا البلد أن يدعموه.

المعركة ضد الفاسدين أسهل من المعركة ضد الفساد وأسبابه، وعلى رأسها التعقيدات البيروقراطية التى تعطى للمفسدين من الموظفين فرصة لإفساد المواطنين.

محاربة الفساد شرط كى نحقق مصر التى نريد.

 

 

[ad_2]

Source link تحيات اخبار24 مصر

أوسمة :
Switch to mobile version